المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة - المساء الحزين


نجم عبدالله الزيادي
12-19-2008, 01:34 PM
المساء الحزين

( من اكثر من ذكر الموت .... رضي باليسير من الدنيا )
الإمام علي ( u )

حينما حان اجل جدتي وداهمها الموت في ذلك اليوم العابق بالمطر والدموع .. رحلت مضمخة بحسرات كثيرة لعمر أزفت ساعة نهايته دون أن تتمكن ابداً من الحصول على ما أرادته أو حتى اليسير مما حلمت به كالذي حصلن عليه الأخريات .
فهي كانت غارقة دوماً في لجج من الفقر المدقع والحرمان الدائم من اكثر الأشياء ضرورة . قبل سنين غادرتنا تلك الجدة المسكينة في كل شئ ، فعندما كنا صغاراً لم نكن نعرف حينها الفقر بصورته القاسية تلك كما هي الآن واضحة على الرغم من طعناته التي كانت كثيراً ما تدمي لحظاتنا وأيامنا وسني أعمارنا ... الحقيقة إن جدتي وأبي وامي كانوا يسدلون الستائر ليمنعوا أعيننا الصغيرة قدر المستطاع وبكثير من الجهد من أن ترتطم بمناظر الفقر المتفشية في بيتنا فهم يهيئون كل شئ يستطيعون تهيئته وغالباً ماكان من حاجاتهم الخاصة العزيزة عندهم لكي نظهر بمظهر مخالف قدر الإمكان لأبجديات الحياة التي كنا نعيشها ونرزح تحت سطوة عذاباتها اللامنتهية رغم عدم فائدتها بشكل ملموس .. لان الفقر كان يسري مع دمائنا فمحاولات جدتي ومن ثم والدتي اللتين لم تترك لهما تلك المحاولات حتى ابسط الأشياء ابتداءاً من المصوغات الذهبية وانتهاءاً بالمصروف الخاص رغم هزالته حتى تشرق وجوهنا الصغيرة بأبتسامة وان كانت صفراء باهتة ... باع أهلنا كل شئ وانفقوا وقتهم وجهدهم في سبيل إشباع بطوننا التي كانت جائعةً باستمرار .. لذا فجدتي التي رحلت في ذلك المساء الحزين قد غسلت جسدها بدموعنا البريئة المدرارة ، كم احتضنا جسدها الممتد بوقار ، كانت متشحة بالسواد الذي لازم لباسها منذ سنين طويلة.... طوال الليل وأصواتنا المتهدجة تداعب أحاسيس الموت الغافية في جسد جدتي ، أنفقنا كل ما لدينا من دمعِ .. وحينما جفت مآقي أعيننا جرفنا النعاس بقوة لم نستطع مقاومتها حتى غرقنا جميعاً في بحر النوم ... والدتي الوحيدة التي قضيت ساعات الليل المتبقية ساهرة مع جدتي حتى تهادى الفجر فوق المدينة عند ذاك تطوعن بعض النسوة من جيراننا للبكاء الكاذب والعويل المصطنع تماشياً مع تقاليداً توارثنها ... كان وجه جدتي جميلاً رغم تغضنة لم تشعر بأي اكتئاب أو خوف حينما دنت منها لحظات اللقاء الأكيد مع الموت ... كانت تقول دوماً إنها ستموت وعلى ثغرها ابتسامة تداعب بها قسمات وجه الموت حينما يقابلها ... لم نكن نفهم معنى ذلك في حينه فقد كنا نخاف الموت ونرتعش رعباً حينما نعلم انه داهم احد ابناء مدينتنا ولكن جدتي كانت على العكس من ذلك تماماً لأنها وطوال سنين عمرها لم تؤذِ احداَ قط ولم تعرف الحقد حتى على أولئك الذين سرقوا حقها وجعلوها ترزح تحت نير الفقر . قالت لنا امنا ذات يوم شتائي كنا جالسين فيه حول الموقد العابق بالدفء وقد طافت فوق رؤوسنا صورة جدتي الراحلة ( إن جدتكم الآن طيرٌ ناصع البياض تحلق في عوالم فسيحة من البهجة والحبور ) قال قائل منا : انها كانت تقول ( حينما يداهمني الموت سأبتسم ) قالت امنا : نعم هي كذلك فقد رحلت والابتسامة تملأ ثغرها لانها عاشت عمراً مليئاً بالحسرات والظلم والدمع المدرار الدائم والفقر ... لم تحصل على شئ سوى رحمة الباري سبحانه وتعالى وابيكم ذلك الولد الوحيد الذي وهبه لها الرحمن لتداري به آلامها ووحدتها . ذات يوم طرقت باب دارنا كان سواد الليل يغطي كل شئ في المدينة كنتم تغطون في النوم العميق أنا رأيتها وهي تخطو نحونا بخطواتٍ رتيبة حتى وقفت ازاءنا ونحن نائمون حدقت فينا قليلاً والدمع يملأ عينيها ثم جلست هنيهة تمسد رؤوسكم بأنامل تفيض حناناً دفاقاً كان وجهها رائع الجمال وكأنها في عنفوان الشباب ترتدي الملابس البيضاء ، هي هكذا تحمل روحاً بيضاء طيلة حياتها على العكس مما كانت ترتديه من ملابس . لقد كلمتها لكنها لم تكلمني حاولت التشبث بثيابها لتبقى معنا لكنها ربتت على كتفي ثم أطلقت بوجهي ابتسامة لا ادري ماهي وذهبت ... كانت تعلم إنها سترتدي تلك الثياب الجميلة بعدما تطير باجنحة الفوز حينما تغادر ذلك الواقع المر المؤلم الذي اثر كثيراً على واقع حياتها لكنه لم يشغلها نهائياً عن الاهتمام بتهيئة نفسها لملاقاة مثل ذلك اليوم ذلك الحلم الشفيف الذي طالما راود مخيلتها.... ذات يوم كنت ابكي بحرقة حتى صبغ الدمع مآقي عيوني باللون الأحمر لاني لم أتمكن من تدبير طعاماً لي ولكم ولجدتكم بعد ما اثقل عبء الديون كاهلي حينها لم يكن اباكم معنا كان في مدينة بعيدة تتجمد فوق قمم جبالها الثلوج الكثيرة لم يترك لنا مصروف سوى دعوات حانية ووريقات من دنانير معدودة لا تسد في اغلب الأحيان نفقات عائلتنا لأيام .. قالت جدتكم لي : ( إن الحياة يا ابنتي أمر من العلقم ولقد ذقت منها الكثير حتى علمتني الصبر لذا فتجرعكِ لمرارة الصبر خير لك من ان تتذوقي حلاوة الذل ) من يومها وانا اتجرع مرارة الفقر برحابة صدر حتى لاابيع كرامتي لحلاوة زائلة ، وهكذا بقيت اتجرع كؤوس تلك المعاناة المترعة بالعذاب سنين طويلة .
لقد عشت مع جدتكم اعواماً عجافاً منذ أن أصبحت زوجةً لولدها الوحيد الذي هو أبوكم وأنا أضمها في سويداء قلبي لأنها لم تحسسني بأنها أم زوجي بل أمي أنا... كانت نبعاً من طيبٍ دائم التدفق فجدكم رحمة الله قد رحل قبلها بسنين مات وهو مثقل بعشرات الدونمات الزراعية والاراضي الشاسعة والبساتين المتنوعة والبيوت ، لم يترك لأبيكم الا ذلك الخزين الكبير من الكرم والجود والشجاعة والايثار فقد كان جدكم جواداً كريماً شجاعاً غيورا ولكن .....؟ تلك التداخلات التي اجتاحت حياته نتيجة تعدد الزوجات أدت إلى مشاكل اعترت حياتنا نحن .... كالفقر الذي عشنا تحت قساوته سنين طوال على العكس مما حصل عليه غيرنا من ثروة كبيرة ونعيم دائم كان ينهل منه طيلة حياته حتى اورثه لأبنائه من بعده وهكذا ظل الفقر ملازماً له حتى إن جنازة جدتكم ذهبت يضللها استحياء الفقر لانها لم تكن تملك عقارات ولا قناطير من ذهب أو فضة ... نحن فقط الغارقون في بحار العوز والحاجة أوصلناها إلى حيث المقام الدائم .
اوصلناها إلى هناك بدنانير تم استدانتها صباح اليوم الذي حملنا فيه نعشها .
لان ابيكم لم يحضر موتها ولاتشييع جنازتها لانه كان بعيداً جداً عنا .. في مدينة تضللها صخور الجبال الشاهقة ليقتطف لنا تلك الدنانير ثمن جهده المتواصل طيلة تلك السنين فمقدار ذلك الراتب لايسد جوع افواهنا ولايكفي لتسديد نفقات ذهابه وايابه .
جدتي لم تترك سوى اقراط من كلمات قديمة وآهات من جروح كان صدرها الحنون ضاجاً بها وقطعة صغيرة من قماش اخضر رخيص أوصت والدتنا أن تبقيه معها لأنها بركة من آل البيت ( عليهم السلام ) كانت تقول وتردد على الدوام بأن هذا العذاب سيزول سريعاً حين اضطجع مطمئنة هناك تحت تربة الأمير واحضى بشفاعته . ... أحسسنا بعدها بفراغ كبير وغصة مازالت تلازمنا كلما تذكرناها ، مازالت تلك الليالي تطوف فوق ذاكرتنا تلامس لحظاتنا... الليالي الطويلة الباردة كانت تخيفنا.. فنلتف حول جدتي ووالدتي والموقد العابق بالحرارة فتمطرنا جدتي بحكاياتها الساخنة التي تتدحرج أحداثها فوق بلاط عقولنا الصغيرة فنفتح كل مسامات الانصات لها ، لقد علمتنا تلك الحكايات أن نكتب تقليداً لما تسرده لنا من قصص فتشربت نفوسنا بتلك الكلمات وهذا العبق الطافح بالطيبة والطهر .

شمس وقمر
12-27-2008, 04:15 AM
قصه حزينه بمساء أحزن...

يعجبني كفاح الأهل بمنعهم تعايش ابنائهم مرحله الفقر اوغيرها

لصغر سنهم ولكي لايقتلوا طفولتهم بهم من هم اكبر منهم ...

عافاك الله أخي نجم عبدالله الزيادي ..

ولاهنت ع ماطرحت ...